محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

70

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ربما كنت مسيئا فأراك الإحسان صحبتك من هو أسوأ حالا منك . هذه أعظم آفة تدخل على من خالف ما ذكره ، وصحب من هو دونه في الحال ، وهو استحسانه لما هو عليه فيؤديه ذلك إلى رضاه عن نفسه ، ورؤيته لإحسانها ، وهو أصل كلّ شرّ كما تقدم . ما قل عمل برز من قلب زاهد ، ولا كثر عمل برز من قلب راغب . مقادير الأعمال على حسب قلوب العمّال ، فما صدر عن الزاهدين في الدنيا من عمل على طاعة ، وإن كان قليلا في الحسّ فهو كثير على التحقيق ، وما صدر عن الراغبين فيها من عمل برّ ، وإن كان كثيرا في الحسّ ، فهو قليل على التحقيق ، وذلك لأن الزاهدين سلموا من الآفات التي تقدح في إخلاص أعمالهم من مراءاة الناس والتصنّع لهم ، وطلب الأغراض الدنيوية عليها منهم ؛ لأنهم زهدوا فيها ، فيتحصّل لهم قبول أعمالهم فيتوفر قليلها بسبب ذلك ويكثر . والراغبون تعتريهم الآفات المبطلة لأعمالهم القادحة في إخلاصهم بسبب رغبتهم في الدنيا فلا تقبل منهم ، فيقلّ الكثير من أعمالهم لوجود النقصان فيها ، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه : « كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل ، فإنه لا يقبل عمل مع التقوى ، وكيف يقل عمل يتقبّل » . وقد وصف اللّه تعالى ذكر المؤمنين بالكثرة لما تضمنه من وجود الإخلاص وعدم رياء الناس ، فقيل في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [ الأحزاب : 41 ] قيل يعني : خالصا . فسمّى الخالص كثيرا ، وهو ما خلصت فيه النية لوجه اللّه العظيم . ووصف ذكر المنافقين بالقلة ؛ لما اشتمل عليه من عدم الإخلاص ووجود رياء الناس ، فقال تعالى : يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 143 ] يعني غير خالص ، وروى عن عبد اللّه بن مسعود ، رضي اللّه عنه أنه قال : « ركعتان من زاهد عالم خير من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا « 1 » » . وقال بعض الصحابة لصدر التابعين : « أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهم كانوا خيرا منكم . قيل : ولم ذلك ؟ قال : كانوا أزهد منكم في الدنيا » . وعن بعض الصحابة أيضا قال : « تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الدنيا والآخرة

--> ( 1 ) السرمد : الدائم الذي لا ينقطع .